أبو نصر الفارابي

26

كتاب السياسة المدنية

بعض المجانسة للنفس الناطقة . والتي تعقلها الأنفس السماوية هي المعقولات بجواهرها ، وتلك هي الجواهر المفارقة للمادة . وكل نفس منها تعقل الأول وتعقل ذاتها ، وتعقل من الثواني ذلك الذي أعطاها جوهرها « 1 » . وأمّا جل المعقولات التي يعقلها الإنسان من الأشياء التي هي في مواد ، فليست تعقلها الأنفس السماوية لأنها أرفع رتبة بجواهرها عن أن تعقل المعقولات التي هي دونها . فالأول يعقل ذاته وإن كانت ذاته بوجه ما هي الموجودات كلها . فإنه إذا عقل ذاته فقد عقل بوجه ما الموجودات كلها ، لأن سائر الموجودات إنّما اقتبس كلّ واحد منها الوجود عن وجوده . والثواني فكل واحد منها يعقل ذاته ويعقل الأول « 2 » . وأما العقل الفعال فإنه يعقل الأول والثواني كلها ويعقل ذاته ، وهو أيضا يجعل الأشياء التي ليست بذواتها معقولات معقولات . والمعقولات بذواتها هي الأشياء المفارقة للأجسام والتي ليس قوامها في مادة أصلا ، وهذه هي المعقولات بجواهرها . فإن جواهر هذه إنّما

--> ( 1 ) أنفس الأجسام السماوية عقول مفارقة بالفعل . وكل منها لا يعقل سوى الله والعقل المفارق الذي فاض عنه وذاته ، ولا يعقل ما دونه . ( 2 ) الفارابي متردد في مسألة علم الله . فالله ، من جهة ، يعقل ذاته ، وهو أرفع من يعقل ما دونه . ولكنه إذ يعقل ذاته يعقل بوجه ما الموجودات كلها لأن الموجودات هي بوجه ما ذات الله .